ابو القاسم عبد الكريم القشيري

103

شرح الأسماء الحسنى

وقد روى أن اللّه تعالى أوحى إلى داود عليه السلام أن حذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات ، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عنى محجوبة . وحكى عن إبراهيم بن شيبان أنه قال : كنت بحلب واشتهيت شبعة من الخبز والعدس ، فاتفق ذلك فأكلت حتى شبعت ، فرأيت على باب المسجد حانوت خمار عليه قوارير معلقة تشبه أنموذجات فتوهمتها خلا ، فقال لي قائل : ما لك تنظر إليها ! إنها خمر ، فقلت : لزمني فرض ، فدخلت الحانوت فلم أزل أصب دنانا حتى أتيت على الجميع ، فأخذوني وضربونى مائتي خشبة وطرحونى في السجن أربعة أشهر ، حتى دخل أستاذي أبو عبد اللّه المغربي البلد فسمع بحالي فتشفع فىّ ، فلما وقع بصره عليّ قال : ما شأنك ؟ قلت : شبعة خبز وعدس وضرب مائتي خشبة وسجن أربعة أشهر ، فقال : نجوت مجانا إذ وردت عقوبة هذه الأكلة على ظاهرك ولم تقدح فيما كنت به من أسر أمرك ، فكان ذلك رفقا من اللّه بك ونجاة ولطفا . وما أصدق ما قال ، فإن من أدب في دنياه فيما يتعاطاه من متابعة هواه فقد خفف عنه في عقباه ، بل طهر بالتأديب جوهره ومعناه . وقد حكى عن إبراهيم الخواص : أنه قال : كنت عقدت أن لا آكل شيئا من الشهوات إلا الرمان ، فاجتزت برجل به علة شديدة ، وإذا الزنابير تقع عليه وتأخذ من لحمه ، فسلمت عليه فقال : وعليك السلام يا إبراهيم ، وعرفني من غير تقدمة معرفة ، فقلت له : أرى لك حالا مع اللّه ، فلو دعوت اللّه حتى يخلصك من هذه الزنابير ، فقال : وأرى لك حالا مع اللّه يا إبراهيم ، فلو دعوت اللّه حتى يخلصك من شهوة الرمان ، فإن لسع الزنابير على النفوس أهون من لدغ الشهوات على القلوب .